العلامة الحلي
103
إيضاح مخالفة السنة لنص الكتاب و السنة
ب - هذا نصّ في صحّة الوصيّة للوارث ، وإنّه إمّا واجب أو مستحبّ ، وخالفت السنّة فيه ؛ حيث قالوا : « لا وصيّة للوارث » . « 1 »
--> ( 1 ) . وقد اشتهر أنّ المذاهب الأربعة قد اتّفقت على عدم جواز الوصية لوارث إلا إذا أجاز الورثة ، وقال الإمامية : تجوز الوصية للوارث وغير الوارث ولا تتوقف على إجازة الورثة ما لم يتجاوز الثلث ( راجع : الفقه على المذاهب الخمسة ، ص 465 ؛ الفقه الإسلامي وأدلته ، ج 8 ، صص 40 - 41 ) . من المرجّح أن نبحث عن أصل هذه المباحث في آية الوصية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( البقرة / 180 ) فإنها تفيد أنّ الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب وحقّ واجب وقيل : معنا « كتب » ها هنا الحث والترغيب دون الفرض والايجاب ( التبيان ، ج 2 ، ص 107 ) . ومن المفسرين والعلماء يرى أنّ هذه الآية قد نسخت ومنهم من لا يراها منسوخة . وما هو المشهور في الكتب أنّ أهل السنة يؤمنون بنسخها والشيعة يعتقدون بعدم نسخها ، أمّا بعض المفسرين من أهل السنة كالطبري والفخر الرازي والرشيد رضا فإنهم يفضّلون عدم النسخ ( جامع البيان ، ج 2 ، ص 116 ؛ التفسير الكبير ، ج 5 ، ص 86 ، تفسير المنار ، ج 2 ، ص 138 ) . اختلف القائلون بأنّ الآية منسوخة في ناسخها . قيل : إنّها منسوخة بآية المواريث ( النساء / 11 ) وقيل : إنّ ناسخها السنة وهي قوله ( ص ) « لا وصية لوارث » ( الإتقان في علوم القران ، ج 3 ، ص 73 ؛ مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 276 ؛ الناسخ والمنسوخ لقتادة ، ص 39 ) والشافعي من أهل السنة قال : لا ينسخ كتاب اللّه إلّا كتابه ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولو كانت متواترة أو مشهورة ( حاشية البناني على شرح الجمال شمس الدين محمد المحلى ، ج 2 ، ص 79 ؛ أصول الفقه الإسلامي ، ج 2 ، ص 971 ) . ويدور البحث ههنا حول الحديث الذي جاء به العلامة وهو « لا وصية لوارث » : وإليك النص الكامل للحديث المذكور : « إنّ اللّه أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث » ( أخرجه البخاري في الوصايا ، ص 6 ؛ وأبو داود في الوصايا ، ص 5 ؛ والبيوع ، ص 8 ؛ والترمذي في الوصايا ، ص 5 ؛ والنسائي في الوصايا ، ص 5 ؛ وابن ماجة في الوصايا ، ص 6 ؛ والدارمي في الوصايا ، ص 28 ؛ والإمام أحمد في مسنده ، ج 4 ، ص 186 ، 187 ، 238 ، 239 ، ج 5 ، ص 267 ؛ ومناهل العرفان ، ج 2 ، ص 260 ) . وعنه ( ص ) أيضا « لا تجوز وصية لوارث إلّا أن يشاء الورثة » و « لا وصية لوارث إلّا أن يجيز الورثة » ( رواهما الدار القطني الأوّل عن ابن عباس والثاني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ( الفقه الإسلامي وأدلته ، ص 42 ؛ نقلا عن نيل الأوطار ، ج 6 ، ص 104 ) . هذه الأحاديث من الآحاد لا يصحّ النسخ بها ولكن يلحقونها بالمتواتر ، ليصلح ناسخا . قال الآلوسي : " وهذه الأحاديث لتلقى الأمة لها بقبول انتظمت في سلك المتواتر في صحّة النسخ بها عند أئمتنا ، وقال البعض : إنّها من المتواتر وإنّ التواتر قد يكون بنقل من لا يتصور تواطؤهم على الكذب وقد يكون بفعلهم بأن يكونوا عملوا به من غير نكير منهم ، على أنّ النسخ في الحقيقة بآية المواريث والأحاديث مبينة لجهة نسخها » ( روح المعاني ، ج 2 ، ص 53 ) . وقال الفخر الرازي في ردّ إلحاقها بالمتواتر : " ولقائل أن يقول : ويدعى أنّ الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع ، والأوّل مسلّم إلّا أنّ ذلك يكون إجماعا منهم على أنّه خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به ، والثاني ممنوع لأنّهم لو قطعوا بصحّته مع أنّه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وإنّه غير جائز " -